عبد الملك الجويني
236
نهاية المطلب في دراية المذهب
فإن علق الصّحيحُ الطلاق بمقدمات الموت وما يُنبىء عنه ، فهو فارٌّ ، وإن جرى التعليق في حالة الصحة ، وذلك مثل أن يقول : إذا وقعتُ في النزع ، أو تردّدت روحي في الشراسيف ( 1 ) ، فأنت طالق ، وإنما قطعنا بكونه فارّاً ؛ لأنه اعتمد الفرار وأضافه إلى المحل الذي ينشأ منه التهمة . وكذلك لو قال : أنت طالق قبل موتي بيوم أو يومين ، وذكر مدة قريبةً ، الأغلبُ أن مرض الموت ينبسط عليها ، فإذا مات وتبيّنا بتاريخ تلك المدة أن الطلاق وقع في أولها ، وأولها في الصّحة - كذلك اتفق ( 2 ) - فالرجل فارٌّ ، والتعليقُ في الصحة والوقوع في الصّحة ( 3 ) ؛ فإن معتمد هذا القول تحقق التهمة . وقد ذكرت في مقدمة الباب [ أننا ] ( 4 ) نعتبر التهمة تطرد في التفريع على القول القديم ، وقد وقع الطلاق في هذه المسألة في وقتٍ لو نجّزه فيه لم يكن فارّاً ( 5 ) . وكان شيخي أبو محمدٍ يقول : " إذا علق الصحيح الطلاق على الموت ، أو على مرض الموت ، ففي كونه فارّاً خلاف " . وهذا مجازفة وذهول عن المسألة . نعم ، الصورة الأخيرة التي ذكرناها صعبة ؛ فإن التّهمة وإن تحققت ، فينبغي أن يقع أحد الطرفين في المرض ، فتقدير الخلاف في هذا ظاهر . وحكى من يوثق به أن القاضي قال في مجالس الإفادة : " إذا قال : إذا مرضت مرض الموت ، فأنت طالق قبله بيومٍ ، أو قال لعبده إذا مرضتُ مرض الموت ، فأنت
--> ( 1 ) الشراسيف : جمع شرسوف ، وهو الطرف اللين من الضلع مما يلي البطن ، والمعنى : إذا تردّدت روحي بين أضلعي عند خروجها . ( المعجم ) . ( 2 ) أي صادف . ( 3 ) كون التعليق في الصحة واضح ، حيث أنشأه كذلك ، وكون الوقوع في الصحة يظهر إذا علمنا أن الحكم بوقوع الطلاق كان قبل موته بيوم أو يومين ، ولما ضبطنا التاريخ ، تبين لنا أنه كان في حال الصحة يومئذٍ . ( 4 ) في الأصل : أن . ( 5 ) هذا هو موضع المفارقة في المسألة ، أنه يعتبر فارّاً ، مع أنه علّق ووقع المعلَّق في وقتٍ لو نجز فيه ما عَلّق لم يكن فارّاً .